محمد الريشهري
1880
ميزان الحكمة
الشبهات ويثور فيه الاختلاف . وهذا بخلاف العلم النفساني بالنفس وقواها وأطوار وجودها فإنه من العيان ، فإذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آيات نفسه ، وشاهد فقرها إلى ربها ، وحاجتها في جميع أطوار وجودها ، وجد أمرا عجيبا ، وجد نفسه متعلقة بالعظمة والكبرياء ، متصلة في وجودها وحياتها وعلمها وقدرتها وسمعها وبصرها وإرادتها وحبها وسائر صفاتها وأفعالها بما لا يتناهى بهاء وسناء وجمالا وجلالا وكمالا من الوجود والحياة والعلم والقدرة ، وغيرها من كل كمال . وشاهد ما تقدم بيانه أن النفس الإنسانية لا شأن لها إلا في نفسها ، ولا مخرج لها من نفسها ، ولا شغل لها إلا السير الاضطراري في مسير نفسها ، وأنها منقطعة عن كل شئ كانت تظن أنها مجتمعة معه مختلطة به إلا ربها المحيط بباطنها وظاهرها وكل شئ دونها ، فوجدت أنها دائما في خلاء مع ربها وإن كانت في ملأ من الناس ، وعند ذلك تنصرف عن كل شئ وتتوجه إلى ربها ، وتنسى كل شئ وتذكر ربها ، فلا يحجبه عنها حجاب ولا تستتر عنه بستر ، وهو حق المعرفة الذي قدر لإنسان . وهذه المعرفة الأحرى بها أن تسمى معرفة الله بالله ، وأما المعرفة الفكرية التي يفيدها النظر في الآيات الآفاقية سواء حصلت من قياس أو حدس أو غير ذلك فإنما هي معرفة بصورة ذهنية عن صورة ذهنية ، وجل الإله أن يحيط به ذهن أو تساوي ذاته صورة مختلقة اختلقها خلق من خلقه ، ولا يحيطون به علما . وقد روي في الإرشاد والاحتجاج على ما في البحار عن الشعبي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في كلام له : إن الله أجل من أن يحتجب عن شئ أو يحتجب عنه شئ . وفي التوحيد عن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) في كلام له : ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه ، احتجب بغير حجاب محجوب ، واستتر بغير ستر مستور ، لا إله إلا هو الكبير المتعال . وفي التوحيد مسندا عن عبد الأعلى عن الصادق ( عليه السلام ) في حديث : ومن زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك ، لأن الحجاب والصورة والمثال غيره ، وإنما هو واحد موحد ، فكيف يوحد من زعم أنه يوحده بغيره ؟ ! إنما عرف الله من عرفه بالله ، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه ، إنما يعرف غيره . . . الحديث . والأخبار المأثورة عن أئمة أهل البيت : في معنى ما قدمناه كثيرة جدا لعل الله يوفقنا لإيرادها وشرحها فيما سيأتي إن شاء الله العزيز من تفسير سورة الأعراف . فقد تحصل أن النظر في آيات الأنفس أنفس وأغلى قيمة وأنه هو المنتج لحقيقة المعرفة فحسب ، وعلى هذا فعده ( عليه السلام ) إياها أنفع المعرفتين لا معرفة متعينة إنما هو لأن العامة من الناس قاصرون عن نيلها ، وقد أطبق الكتاب والسنة وجرت السيرة الطاهرة النبوية وسيرة أهل بيته الطاهرين على قبول من آمن بالله عن نظر آفاقي وهو النظر الشائع بين المؤمنين ، فالطريقان نافعان جميعا ، لكن النفع في طريق